مقالة

نائب مفتي “حوض الفولكا”: فترة الانفتاح كشفت تحديات كبيرة أمامنا

أدار الحوار: هاني صلاح (خاص بموقع مهارات الدعوة)

“فترة الانفتاح والحريات وضعت أمامنا تحديات كبيرة وأهم معالمها ضعف الكوادر وقدرتهم على استيعاب هذه الجموع، وكذلك غياب البنية التحتية المسلمين بسبب طول فترة الحكم الشيوعي”.. بهذه الكلمات، لفت د. نضال عوض الله الحيح، نائب مفتي منطقة “حوض الفولكا” للعلاقات الخارجية، والتي تقع في وسط روسيا، النظر إلى أكبر التداعيات السلبية للحقبة الشيوعية التي عاش خلالها مسلمو روسيا على مدار أكثر من سبعة عقود، وأبرز معالمها ضعف الكوادر وغياب البنية التحتية للمسلمين ممثلة في المساجد والمدارس والمؤسسات التي لا غنى لأي مجتمع مسلم عن خدماتها ودورها..

وتطرق الدكتور الحيح في هذا الحوار إلى واقع الإسلام والمسلمين في منطقة حوض الفولجا بوسط روسيا (المعاصرة) والتي كان قد دخلها الإسلام قبل أكثر من ألف عام..

فإلى الجزء الأول من الحوار..

 المشاركة الأولى.. من: هاني صلاح ـ منسق الحوار ـ وتتضمن ثلاثة أسئلة تعريفية بالحوار (أرقام: 1/2/3):

المحور الأول: التعريف بمنطقة حوض الفولجا  وأهميتها

1 ـ نود من سيادتكم نبذة تعريفية مختصرة عن منطقة حوض الفولجا في روسيا، وأهميتها، وعدد سكانها، وأهم مدنها بشكل عام.

ـ منطقة حوض الفولكا تضم العديد من المدن وتشمل جميع المناطق على طول نهر الفولجا؛ إلا أن التقسيم الإداري عمل على تقسيم المنطقة انطلاقا من توزيع جغرافي لا يرتبط كثيراً مع نهر الفولجا. ولتوضيح ذلك نشير للتقسيمين حسب التوزيع الجغرافي أو التوزيع الإداري، كالتالي:

أولاً: حسب التوزيع الجغرافي: تقسم مناطق نهر الفولجا إلى ثلاثة أقسام:

1 ـ المنطقة العليا (الشمالية): وتضم مدنا تابعة للدائرة المركزية المرتبطة بموسكو مثل مدينة “تفير”، و”يراما”، و”سلافيل”..

2 ـ المنطقة الوسطى: وتشمل مدن “قازان”، و”سمارا”، و”اليانوفسك”، وغيرها..

3 ـ المنطقة السفلى (الجنوبية): وتشمل مدن “سراتوف”، و”فولغاغراد”، و”استراخان”..

ووفق هذا التقسيم الجغرافي فإن عدد السكان يقارب 9 ملايين نسمة.

ثانياً: وفق التقسيم الإداري الرسمي: فإن منطقة حوض الفولجا تضم كلا من:

جمهورية “تتارستان”، وعاصمتها “قازان”. ومدينة “أوليانفسك”، ومدينة “نجني نوفغراد”، و”سمارا”، و”سراتوف”، و”أوليانفسك”، وجمهورية “مردوفيا”، ومدينة “بنزا”، وجمهورية “بشكريا”، وغيرها.

ووفق هذا التقسيم الإداري لمنطقة حوض الفولكا، فهي مساحة جغرافية واسعة. وبحسب الإحصائيات الرسمية في عام 2012 م، فإن عدد سكان منطقة حوض الفولكا (الإدارية) يصل لنحو (29) مليون نسمة، وهو ما نسبته تقريباً  20% من سكان روسيا. وتبلغ نسبة المسلمين فيها (وفق التقسيم الإداري) لحوالي 19% على أقل تقدير.

بينما المساحة الإجمالية للمنطقة تقارب مليون كلم مربع، وهو ما يعادل 6% من مساحة روسيا الإجمالية.

 

المحور الثاني: التعريف بالإسلام والمسلمين في حوض الفولجا

2 ـ لو تعطوننا إطلالة سريعة مختصرة عن واقع الإسلام والمسلمين في منطقة حوض الفولجا..

ـ الإدارة الدينية لمسلمي حوض الفولكا تأسست في المؤتمر العام لمسلمي المنطقة في العام 1994م، حيث شارك في المؤتمر ممثلو 6 مدن، و3 جمهوريات، وقرروا تأسيس إدارة دينية مركزية تجمع مسلمي المنطقة تحت هذا المسمى.

المدن التي شاركت في المؤتمر التأسيسي هي: سراتوف، فولغاغراد، استراخان، سمارا، بنزا، وأوليانفسك. بينما الجمهوريات التي شاركت فهي: جمهورية مردوفيا، كالميكيا، تشوفاشيا. وتم انتخاب الشيخ “مقدس عباس بيبارس”، رئيساً لها وأصبح مركزها مدينة سراتوف. (يبلغ عدد سكان سراتوف فقط نحو ٢.٥ مليون نسمة، ويقدر عدد المسلمين بها حوالي 250 الف نسمة).

ومع تغير وتبدل الأحوال أصبحت الإدارات الدينية المحلية مستقلة، وخرج العديد منها من الإدارة المركزية؛ فأصبحت الإدارة الدينية لمسلمي حوض الفولكا حالياً تضم داخلها مدن سراتوف، وبنزا، وأوليانفسك، وجمهورية مردوفيا.

وتبلغ نسبة المسلمين في هذه المناطق ما يقارب 12% (من إجمالي تعداد سكان منطقة حوض الفولجا)، وهو ما يقارب 800 ألف نسمة أغلبهم من القومية التتارية والكازاخية.

ومنطقة حوض الفولجا دخلها الإسلام بصفة رسمية عبر البوابة الجنوبية من بحر قزوين، وهو ما كان يعرف ببحر الخزر، حيث أبحرت سفينة الخلافة العباسية بوفد رسمي إلى مملكة البلغار التي تقع إلى الجزء الشمالي من نهر الفولجا، وحاليا منطقة البلغار ضمن تراب جمهورية تتارستان.

هذه الرحلة أرخ لها الرحالة أحمد بن فضلان؛ حيث كان ضمن هذا الوفد، وذلك في العام 922م، أي قبل ما يزيد على الألف عام. حيث حضر وفد الخلافة العباسية بناء على طلب الخان الأعظم لمملكة البلغار لإعلان الإسلام ديانة رسمية للمنطقة، ومنذ ذلك التاريخ ارتبط مصير هذا الأرض بالإسلام.

خلال الرحلة النهرية لوفد الخلافة العباسية توقفوا في مدينة أويك (أوكيك)، وقد ذكر ابن فضلان معلومات عن وجود المساجد في المنطقة كما يشير إلى دخول الإسلام قبل وصول الوفد الرسمي بسنوات.

هذه المدينة اندثرت تحت مياه نهر الفولجا، وأقيم على أطرافها مدينة سراتوف الحالية في العام 1552م.

 

المحور الثالث: التعريف بضيف الحوار من سراتوف ـ حوض الفولجا ـ روسيا

3 ـ دكتور نضال.. نرجو التكرم بتعريف أنفسكم لجمهورنا الكريم..

ـ د. نضال عوض الله الحيح.

ـ مواليد بلدة “صوريف”، في محافظة “الخليل”، في فلسطين عام 1973م.

ـ بعد إنهاء المرحلة الثانوية في عام 1992م، غادرت للدراسة في روسيا، وأنهيت دراسة الطب العام سنة 1999م، ومن ثم التخصص في الجراحة العامة.

ـ الآن أعمل نائب مفتي منطقة “حوض الفولكا” في العلاقات الخارجية. ومدرس مادة العقيدة الإسلامية في المعهد الإسلامي “مدرسة الشيخ سعيد الاسلامية”.

ـ عضو في اتحاد المنظمات الإسلامية في روسيا. وعضو في مجلس علماء روسيا.

ـ كذلك أدرس علوم الشريعة وأصول الدين في المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية في فرنسا.

 

المشاركة الثانية.. من: شادي الأيوبي، صحفي لبناني مقيم في اليونان، وتتضمن سؤالين (4/5):

4 ـ أود السؤال عن واقع قطاع التعليم الإسلامي في منطقة حوض الفولجا.. وما أبرز مشكلاته؟

ـ التعليم الإسلامي في منطقة حوض الفولكا بدأ مع افتتاح المساجد بما يسمى بمدرسة الأحد. وهي دروس بسيطة كانت تقدم للراغبين في تعلم قراءة القرآن وأسس الإسلام .

ومع تقدم الوسائل وافتتاح العديد من المساجد التي بلغ عددها في منطقة سراتوف (41) مسجدا ولله الحمد، ومع إقبال أعداد كبيرة على المساجد مع رغبة كبيرة للتعلم؛ قمنا في الإدارة الدينية بتأسيس معهد إسلامي في عام 2005م، وتم البدء في التدريس به مع استمرار أعمال تأسيسه. ومن خلال الخبرة المتراكمة تم إعداد منهاج تعليمي متكامل، وتسجيل المعهد الإسلامي بصفة رسمية في وزارة التعليم العالي، وبالفعل حصلنا على الترخيص الحكومي في عام 2007 م .

المعهد الإسلامي أسميناه “مدرسة الشيخ سعيد الإسلامية”، ويوجد به قسم للدراسة بالانتساب والدراسة بالفترة المسائية. ويدرس فيها حالياً (110) طلاب وطالبات. ومدة الدراسة به أربع سنوات يتخرج منه الأئمة والخطباء ومن يتقنون قراءة القرآن وتعاليم الإسلام الأساسية. وقد تخرج منه خلال هذه الفترة 80 طالبا وطالبة، ومنهم الكثير ممن أصبحوا أئمة، وتم توجيههم إلى مناطق مختلفة لنشر العلم والثقافة الإسلامية.

كذلك تم افتتاح مركز “زيد بن ثابت” لتحفيظ القرآن الكريم. وقد تم استحداث منهج يتلاءم مع الأطفال من عمر سنتين، وتخرج إلى الآن خمسة أشخاص من حفاظ كتاب الله. كما تم افتتاح المكتب، وهي مدرسة الأحد للأطفال في المركز الإسلامي، ويرتاده ما يزيد على 160 طفلا، وذلك ضمن منهاج مخصص لذلك.

كما تم تفعيل دور المساجد في القرى والبلدات ضمن منظومة مدارس الأحد من خلال وضع منهاج لمدة سنة كاملة، وتدريب الأئمة على مهارات التدريس للأطفال. ولهذا الغرض تم وضع برنامج سنوي لدورات مكثفة للأئمة للارتقاء بمستوى كفاءتهم، وتدريبهم على مهارات التعليم والخطابة والدعوة، كما تم إعداد كتاب للخطبة موزع على سنة كاملة لتسهيل الأمر على الخطباء.

هذه بعض الجهود للنهوض بالعملية التعليمية في منطقتنا، وللأسف فإن المعهد الإسلامي هو الوحيد في منطقة شاسعة، ولا يستطيع تغطية جميع الراغبين، وكذلك نعاني من قلة الإمكانيات، وعدم توفر مبنى مستقل، وعدم وجود أوقاف توفر دخل يضمن استقرار واستمرار العملية التعليمية.

كما أن الكتب والمناهج مكلفة، ولذا لا نتمكن من توفيرها لجميع الطلبة، والمدرسون في المعهد الإسلامي هم من خريجي الجامعات الإسلامية، مثل الأزهر الشريف، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، والأردن، وسوريا، وغيرها.

5 ـ ماذا عن جهودكم مع الأجيال الناشئة للحفاظ على هويتها الإسلامية.. خاصةً مع الشباب والمراهقين.. هل ممكن توضيح الأعمال والأنشطة والمشروعات التي تصب في تحقيق هذا الهدف وتقومون بها على أرض الواقع؟

ـ بشأن التربية الإسلامية للأطفال، فمن المعلوم أن الأطفال هم المستقبل ورافد العمل الإسلامي؛ لذا فنحن نولي هذا الأمر جل وقتنا ومقدراتنا.

ومن المشاريع المهمة لدينا المخيمات الصيفية، وهي لم تنقطع ولله الحمد منذ عشرين عاماً، حيث نعتبرها محضناً أساسياً للتربية والحفاظ على الهوية الإسلامية. وبفضل الله أصبح لدينا مكان مخصص للمخيمات الصيفية ملك خاص بعد جهود كبيرة، وهو يستوعب (235) طفلا في كل فترة. كما استطعنا تنظيم مخيم لأبناء المسلمين في عموم روسيا، من خلال التنسيق مع مجلس شورى مفتي روسيا.

والتجربة رائدة ومبشرة بالخير، وتشمل الأولاد والبنات كلا على حدة. فنقوم بتنظيم فترة لمدة (21) يوما للأولاد، ثم أخرى للبنات، وبهذا يعيش الطفل جوا إسلاميا متكاملا لا يتواصل مع المحيط الخارجي أثناءه، وهو يترك عنده أثرا تربويا عميقا؛ حيث يتعلم خلال هذه الفترة القرآن الكريم، وأسس الإسلام، والأخلاق، وكل هذا مع الترفيه واللعب وتعلم مهارات الحياة المتنوعة.

كذلك نقوم بنشاطات شبابية كثيرة، منها: رياضية، وترفيهية، وثقافية، وقمنا بتأسيس جمعية شبابية تحت اسم “فزروجدينا”. وتتم متابعة الأطفال والشباب في مراحل تعليمهم الأساسية وتعليمهم الإسلام داخل المساجد، ويتم تقديم المشورة والدعم لهم، وتوجد تجارب طيبة في هذا الإطار.

كذلك نقوم بتنظيم حملات تشجيع للأطفال ممن يصومون شهر رمضان، ويحضرون صلاة التراويح، ويتم تنظيم الاحتفالات بالأعياد الإسلامية في الأماكن العامة لتعزيز روح الانتماء لديهم، وللتغلب على الانهزام النفسي أمام المجتمع. ونسعى لاستثمار كافة المناسبة الإسلامية وإشراك الأطفال في مسابقات متنوعة بهدف تعميق الوجدان الإسلامي لديهم.

ومؤخرا بدأنا بتجربة جديدة، وهي بث برنامج متلفز للأطفال يحمل النفس الإسلامي، ويبث عبر قناة اليوتيوب nurtv .

كما نحرص على الاهتمام بالتفوق الرياضي لبعض المتميزين ومتابعتهم إلى منصة التتويج وتعميق الانتماء الإسلامي لديهم، ولدينا تجارب طيبة، ومن هؤلاء من وصل إلى بطولات دولية.

وبشكل عام، فالساحة مفتوحة، لكن ما زال الجهد قليلا بسبب قلة الموارد، وضعف البنية التحتية للمسلمين؛ حيث لا يوجد نوادٍ رياضية أو ترفيهية لاستعياب أعداد أكبر.

المشاركة الثالثة.. من: حبيب عثمان، عميد كلية الإرشاد للإمامة والدعوة في جنوب الفلبين، وتتضمن سؤالين (6/7):

6 ـ نود أن نتعرف على المحن التى مرت بالمسلمين في روسيا عامة في أعقاب الثورة البلشفية. وما أهم التغييرات التى لوحظت إبان سقوط الشيوعية أو عهد بوتين على وجه الخصوص؟

ـ عند قيام الثورة البلشفية في عام (1917م)، انقسم المسلمون بين مؤيد مشارك في الثورة ومعارض لها. والثورة جاءت انطلاقاً من نظرية العدالة الاجتماعية ومحاربة الطبقية في المجتمع القيصري الروسي، ولذا وجدت الكثير من أتباعها، وممن انبهر بها وساعدها؛ لأن المطالب كانت عادلة ومنصفة للطبقة الكادحة، وذلك كان جزء كبير من المسلمين مع الثورة، ويحملون أعلاما مكتوبا عليها بالحرف العربي واللغة التتارية، وهذه الأعلام موجودة اليوم في متحف الكرملن في قازان عاصمة جمهورية تتارستان. وكانت تطبع منشورات باللغة التتارية وبالحرف العربي تشجع على الثورة، وتدعو للمساواة والعدالة الاجتماعية؛ ولكن سرعان ما تغير الأمر وتبدل.

فقد تحولت النظرية البلشفية من مجرد فكرة العدالة الاجتماعية وإنصاف العمال إلى أيديولوجية تبنت الفكر الإلحادي ومعاداة الدين؛ بل ومطاردة المتدينين، خاصة في فترة حكم ستالين؛ فقد أصبح الأمر جلياً وواضحاً. وبدأت مرحلة المعاناة ليس فقط للمسلمين، وإنما شملت المسيحيين بصورة أكبر. فالثورة في الأصل كانت على الكنيسة بالدرجة الأولى؛ لأن الكنيسة كانت تعطي القيصر غطاء كاملا، وتعتبره ممثل الرب على الأرض، وبدأ اضطهاد الكنيسة فورا مع بداية الثورة، وهدمت الكنائس وأعدم الرهبان وتم التمثيل بهم.

بينما اضطهاد المسلمين بدأ متأخرا عن المسيحيين بنحو ١٥ سنة من الثورة. وفي وسط الثلاثينيات من القرن الماضي تغير الأمر وأصبح الإسلام مضطهدا، وبدأت الحملة على المساجد والعلماء؛ حيث تم قتل الكثير من العلماء المسلمين ونفيهم إلى سيبيريا ليواجهوا مصيرهم، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، وهي ما تسمى بالحرب الوطنية ضد النازية الألمانية؛ حيث تم ترحيل قوميات بأكملها من شعوب القوقاز بتهمة الخيانة. وتم تحميلهم في قطارات إلى سيبيريا وصحراء كازاخستان ليموت الكثير منهم برداً وجوعا. كذلك تم مصادرة وإغلاق المساجد وهدم المآذن والمساجد؛ فمن أصل أربعة عشر ألف مسجد تبقى ما يقل عن مائتي مسجد فقط، وكانت كلها مغلقة.

وخلال فترة حكم جوربتشوف في الثمانينيات من القرن الماضي أصبح هناك مجالاً للحريات الدينية، ولكن طول الفترة التي حورب الدين فيها خلق نوعاً من الضغط المجتمعي على كل متدين. فكان ينظر إليه بنوع من الاستهزاء والازدراء. ورغم هذه الأجواء فإنه كانت توجد تجمعات للمسلمين وحجرات للتعليم ولكن بطريقة سرية للغاية ومعظم التجمعات كانت تأخذ طابعا قوميا وعادات وتقاليد أكثر منها طابع ديني.

طبعا في المدارس التي كانت في مناطق تواجد المسلمين كان المدرسون يحرصون على تغير عقول الأطفال ومحاربة كافة أنواع الالتزام بالدين حتى في شهر رمضان كانوا يطلبون منهم شرب الماء في الفصل الدراسي أمام أعين المدرسين ليتأكدوا من أنهم لا يصومون. ولكن ضمن أجواء المنع هذه كانت مدرسة إسلامية واحدة مفتوحة، ولم تغلق وهي مدرسة “مير عرب” في أوزبكستان، وكان يلتحق بها بعض الطلاب ولكن كانت تحت السيطرة من قبل السلطات.

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وجد المسلمون أنفسهم أمام تحدي الهوية الدينية؛ فشهدت تلك المرحلة عودة كبيرة للاسلام، وبدأ المسلمون يسترجعون المباني التي كانت للمسلمين، وبدأت مرحلة جديدة الغالب فيها طابع الفوضى؛ حيث اتسمت بغياب الكوادر المؤهلة، وغياب الرؤية الواضحة لحركة المجتمع، ومع دخول كبير للهيئات الخيرية الإسلامية والعربية زادت هذه الفوضى. والعنوان الأكبر لهذه الفترة هو ضياع الفرصة الذهبية من المسلمين.

وبعد أن بدأت حرب الشيشان التي كانت حرب انفصاليين، وأخذت طابع حرب دينية، وهي لم تكن يوما كذلك انعكست آثارها السلبية على المسلمين بشكل عام، وأصبح المسلمون في عداء مع المجتمع، رغم أنه لم يكن كذلك. هنا ظهرت الأصوات التي تخوف الناس من الإسلام و المسلمين.

وفي عهد الرئيس فلاديمير بوتين استقر الوضع، وأخذ المسلمون فرصتهم فكانت المرة الأولى التي يحصل فيها الإسلام على اعتراف رسمي كمكون أساسي في المجتمع. ومن هنا بدأت المؤسسات الإسلامية تتطور وفتحت مجالات كثيرة أمام المسلمين، ولكن لضعف القدرات المادية لم يتمكنوا من تحقيق الكثير من المتاح.

بعد هذا التطور في الوسط الإسلامي ظهرت قوى معادية للإسلام تحمل خلفيات متنوعة منها ديني وإيديولوجي وثقافي وعنصري وهكذا. لذلك بدأت مرحلة اتسمت بالتضييق على الإسلام و المسلمين منها منع بعض الكتب الإسلامية ومنع الحجاب في المدارس وغيرها، وهذه كلها تأخذ من جانب محاربة الإرهاب والتمايز الديني في دولة علمانية.

وبحسب وجهة نظري فإن ما جرى ويجري لا يعتبر محاربة للدين الإسلامي والمسلمين، وإنما جاء كردة فعل لما جرى في القوقاز، وما تبعه من انتشار أفكار متطرفة دخيلة على مسلمي روسيا، وتم استغلال هذا الوضع من قبل بعض المعاديين للإسلام لتحقيق إنجازات لهم.

والأمر يخضع للتدافع ؛لأن السلطات تبحث عن حل لمثل هذه المخاطر، وجربوا أكثر من طريقة. لكن الصفة العامة في روسيا هي توفر الحرية الدينية الكاملة ولا يوجد تدخل من قبل الدولة في شؤون المسلمين، كما أن بناء المساجد لم يتوقف إلا في بعض المناطق وهذا المنع لا يعبر عن سياسة الدولة.

وقد تم تشكيل صندوق حكومي لدعم الثقافة الإسلامية وهو جانب من مساهمة الحكومة في دعم المشروعات التي تخدم المسلمين رغم قلة إمكانياته. فقد استطاع المسلمون تأسيس جامعات ومعاهد إسلامية معترف بها؛ بل وشاركت الحكومة الروسية في تأسيس أكاديمية إسلامية في منطقة بلغار التاريخية، وانتشرت المنتجات الحلال، ويقام في موسكو معرض كبير للحلال.

كل هذه المؤشرات تعطي الأمل، وتفسح المجال أمام تطور العمل الإسلامي.

 7 ـ أيضا هل بإمكان فضيلتكم إلقاء الضوء على دور المؤسسة الدينية سواء على المستوى الرسمى أو غيرها فى محاربة ظاهرة الإسلاموفوبيا؟ وما الدور الذى قام به اتحاد المنظمات الإسلامية فى روسيا في القضاء على ظاهرة التطرف الديني فى روسيا؟

ـ من المعلوم أن ظاهرة الإسلاموفوبيا أصبحت منتشرة في الكثير من المجتمعات غير المسلمة بواسطة الإعلام، وما يبثه من صور مرعبة وجرائم تربطه بالإسلام والمسلمين .

وهنا يأتي دور المسلم والمؤسسات الدينية في استشعار هذا الخطر، وتتبع هذه الظاهرة ومحاولة التصدي لها بالفعل وليس بالكلام. ونحن أرتأينا أن لا نقف مدافعين بالكلام والحجج والبراهين ونفي التهمة لأننا بكل صراحة لا نستطيع ولا نملك آلة إعلامية منافسة؛ لذا فقد عمدنا إلى الاندماج في المجتمع بكل تفاصيله ومعايشة الناس همومهم ومشاكلهم، وقمنا بعدة حملات لكسر الحاجز بيننا وبين المجتمع، ومنها:

أطلقنا مؤتمرا علميا لمدة ست سنوات يعنى بالأسرة والحفاظ عليها، ويقدم الحلول المناسبة وذلك بالشراكة مع كل أطياف المجتمع وخاصة الوسط الأكاديمي والإعلامي. ومنها حملات التبرع بالدم لصالح الأطفال المصابين بمرض السرطان وتنظيم زيارات لهم مع تقديم الهدايا والفقرات الترفيهية. ومنها المشاركة في الاحتفالات الرسمية وخاصة عيد النصر وتقديم الورود للمحاربين القدامى والتحدث إليهم، ونحرص خلال المشاركة على إبراز الوجه الإسلامي؛ فالشباب يرتدون القبعات الإسلامية، والفتيات يرتدين الحجاب، وبكل سرور ولباقة نتواصل مع أفراد المجتمع مع الاحتفاظ بالصورة الإسلامية الودودة. ومنها حملات زيارة بيوت الأيتام والمشردين وكبار السن وتقديم خدمات لهم وغيرها الكثير.

كل هذه الحملات منحتنا شراكات قوية مع الوزارات والمؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني. لذا نستطيع القول بأننا نجحنا في منطقة سراتوف بدرجة كبيرة في تقليص هذه الظاهرة، والذي يؤكد ذلك أننا عندما أجرينا مقابلات تلفزيونية في الشارع العام مع شرائح مختلفة من المارة؛ لم نسمع منهم أية تخوفات من المسلمين رغم الضخ الإعلامي المخيف. وهذه المقابلات منشورة على شبكة اليوتيوب في قناة “نور تي في”.

أما فيما يتعلق بالأفكار المتطرفة فهي وللأسف ظاهرة منتشرة في أوساط الشباب وخاصة ممن يعتنقون الإسلام حديثاً أو ممن يهتدون من قريب، وكأنهم يحملون على المجتمع والناس. ونحن دائماً نطالب الجميع بالفكر الوسطي، وندعو إلى التعايش؛ ولذا فإننا نفتح المجال أمام الشباب ليتحدثوا بما يجول في خواطرهم، وتقريباً ننظم ندوة شهرية في المركز الإسلامي لهذا الغرض.

كما أننا نرصد بكل عناية الشباب في المساجد والأفكار التي تطرح، ونحرص على أن نكون سباقين لمناقشتها وتفنيدها. واذا ما حدث أي خلاف في أي مسجد أو مكان في محافظة سراتوف نتوجه على الفور إلى المكان ونواجه الشباب بالحجة والبيان.

http://www.dawahskills.com/ar/featured-posts/%D9%86%D8%A7%D8%A6%D8%A8-%D9%85%D9%81%D8%AA%D9%8A-%D8%AD%D9%88%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D9%81%D9%88%D9%84%D9%83%D8%A7-%D9%81%D8%AA%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D9%81%D8%AA%D8%A7%D8%AD-%D9%83/

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق