مقالة

رحلة في غابات كاريليا

كم كنت أتمنى طوال عشرين سنة ان أتجول في براري كاريليا، كان جمال طبيعتها يبهرني ولكن في نفس الوقت هي مخيفة ، غابات كثيفة واوحال ومستنقعات وحيوانات مفترسة مثل الدببة والذئاب ، كما البعوض والحشرات تزداد اعدادها بشكل مرعب في الصيف
لذلك لم اجروء على ان اخرج للبرية مفردا.وبعد طول انتظار سنحت الفرصة اخيراً ، فقد عرض علينا الشيخ علي فورونوفيتش مفتي جمهورية بيلاروسيا القيام بهذه المغامرة وهو المتخصص في مثل هذه الرياضة ، نعم فالسياحة في البراري هي احد انواع الرياضة في دول الاتحاد السوفيتي السابق وتقام له البطولات
وكان الإعداد قبل الانطلاق بشهور ، ورغم عدد الراغبين في البداية كان كبيرا ولكن مع اقتراب الموعد كانت تتناقص الإعداد حتى بقي علي وبنته خديجة ١٤ سنة وابنه مصطفى ٩ سنوات وانا وزوجتي ، فقط خمسة اشخاص وهو العدد الأدنى المسموح به
وكانت البداية ان انطلقنا بالسيارة من موسكو الى نقطة البدء وكانت المسافة اكثر من ١٢٠٠ كلم
وعندما وصلنا عرفنا بعض القواعد المطلوبة ومنها ان كل منا سيحمل على ظهره حقيبة تزن حوالي ٢٠ كلغ للرجال وطبعا للنساء وللأطفال تكون اخف ، وان علينا نقطع مسافة ٢٠ كلم في اليوم لتكون المسافة الكلية في النتيجة ١١٠ كلم في حوالي ستة ايام .
والنظام هو السير لمدة ٤٥ دقيقة او لمسافة ٢ كلم ثم نأخذ راحة لخمس دقائق واستراحة واحدة كبيرة في منتصف اليوم للغداء ، وطبعا نحن نحمل على ظهورنا الطعام لأسبوع مقسم بطريقة منظمة لكل وجبة ولكل شخص وايضاً نحمل الخيمتين والتي ننصبها قبل غروب الشمس ونعد وجبة العشاء ثم نصلي وتخلد للنوم للاستيقاظ فجرا وإعداد الفطور ثم جمع الخيم والانطلاق مجددا وهكذا كل يوم نفس النظام. الا اننا كان يجب علينا دائماً إيجاد مكان للمبيت مناسبا واهم شيء ان يكون بقرب نهر او بحيرة للحصول على الماء ، ورغم ان كاريليا غنية بالأنهار والبحيرات غير اننا كنّا نفقدها في الوقت الحرج ولكن والحمد لله كانت دائماً تحدث فرص غير متوقعة ويتم التخييم حسب الجدول

الطعام
يتم تحضيره على النار بالحطب ويتم استخدام الرز والمكرونة وغيرها ومعلبات اللحمة والسمك والحقيقة له طعم شهي جدا لربما لانه تم طهيه على الفحم ولربما بسبب الجوع الشديد بعد المشي لمسافة كيلوميترات وعلى ظهورنا حمل ثقيل. وقد طهى لنا علي قائد الرحلة مرتين حساء من الفطر والذي جمعه في الغابة هنالك شهي لدرجة لا توصف وللاسف انا لا افرق بين الفطر الصالح للاكل والآخر السام الذي يمكن ان يسبب حتى الوفاة فيجب ان يرافقكم متخصص في أنواعها وقد ذكر لي الشيخ علي انه قراء في احد الكتب التي تعلم السياحة البرية : انه في حالة ان فقد الطعام ولم تجد الا الفطر حولك وانت لا تعرف صلاحيته للاكل فليتقدم متطوع ويأكل فإذا بقي حيّا اذا مرحا وان مات لفتجربوا نوع اخر مع متطوع آخر . نعم الحمد لله ان علي وزوجتي كانوا يعرفوا كل انواع الفطر التي تنبت في هذه المناطق ، والحقيقة أني لم ارى في حياتي مثل هذه الإعداد الضخمة وبهذه الكثافة من الفطر . ولكني استمتعت اكثر بثمار العليق البرية والتي كانت كثيرة ايضا وكنا مثل الدببة نبتلع كميات ضخمة منها في فترات الاستراحة .
الحيوانات
كنّا نجد اثار للدببة تبين انهم مروا من هنا منذ سويعات ربما والحقيقة كنت خائفا ولا اعرف كيف أتصرف ان قابلتها وكنت قد قرأت معلومات متضاربة في كيفية مواجهة الدب او الذئب وعندما أخبرت علي عن مخاوفي قال لي انه تجول عبر براري تركمانستان وكرغيستان والقوقاز والقرم وغيرها من الأماكن ولم يجد مخلوقا اشرس ولا اخطر من الانسان وان الدببة التي كانت تقابل تهرب منهم وقد ملؤها الذعر منهم. وفعلا لم نقابل اي حيوان الا ثعالب كانت تجري بعيدا عنا او نسورا تحلق في قلب السماء ووجدنا بيوت القندس من الخشب على شكل جسور على الأنهار.اما الأفاعي في كاريليا نوعين احدها سام ولكنه لا يلدغ الانسان الا اضطره والآخر غير سام وقد التقينا مرة واحدة بافعى سامة فضلت ان تتجاهلنا وزحفت الى حال سبيلها
اما الحشرات فكانت في البداية مشكلة فالبعوض بالمائات ووقح للغاية لا يهرب ولا يخاف لذلك كنّا مسلحين بملابس خاصة لا يستطيع ان يلدغ من خلالها وحملنا على رؤوسنا قبعات بشبكة تحمي وجوهنا منه وكنا ندهن الجزء الظاهر من الجلد بدهن خاص طارد للحشرات . وكان يضايقنا فعلا وقت الطعام ولكن ينقذنا منه في بعض المرات أسراب اليعسوب الضخم والذي يصطاد البعوض ويريحنا منه قليلا وتتكون فوق رؤوسنا غيمة ضخمة من اليعاسيب منظرها مخيف ولكننا سعيدون بخدمتهم لنا
ولكننا بعد ذلك التقينا بحشرة صغيرة جدا تقرص ايضا ولكن لا تشعر فورا بقرصتها ولكن اخطر بكثير من البعوض فهو لا يتغذى على الدم بل يأكل جزء من الجلد لذا بعد مرور فترة من الوقت بعد القرضة تتورم اليدين والرجلين مع الم شديد لذلك كنّا نحمي أنفسنا بحرص اكبر عندما نقابله
والحقيقة بعد عدة ايام تعودنا على البعوض وأصبحنا لا نتأثر به
يتبع

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق