مقالة

النجم القطبي

النجم القطبي
منذ طفولتي كنت اعرف ان النجم القطبي سيدلك على الشمال ، كم كنت أحب النظر الى السماء في ليالي ليبيا الصيفية المظلمة حيث لا سحاب ولا ضوء القمر ولااضاءة اصطناعية تحجب رؤية ملايين النجوم الرائعة
كنت أتأملها مستلقيا على شاطيء البحر بجوار خيمتنا التي نصبها والدي وكنت أعد كم من شهاب سقط تلك الليلة على صوت امواج البحر المتوسط في شاطيء القره بولي
وكأنك في الجنة لولا خوفي من السرطانات التي تنشط ليلا فلا شيء كامل في هذه الدنيا
ولكن قدر الله سبحانه وتعالى فراقي للاهل والأحباب واستقراري في المعيش في روسيا وقد قضيت اخر عشرين عاما من حياتي في أقصى شمال روسيا بل قل الكرة الارضيّة ، نعم برد وصقيع وشتاء مثلج طويل وصيف ممطر قصير ونهار يكاد ينعدم شتاءا ولا تغرب شمسه صيفا
سبحان ربي!- هذا ما كنت أكرره دائماً طول هذه السنوات فرغم قساوة المناخ والطبيعة الا ان الشمال الإسكندنافي غاية في الروعة يسحرك جماله كل شيء فيه مدهش وفريد
كنت اسافر بين مدينتي مورمانسك وبيتروزافودسك وهما عاصمتي إقليمين شماليين والمسافة بينهما الف كيلومتر كنت أقطعها بسيارتي وكثيرا من الأوقات شتاءا
فرغم خطورة الطريق المغطى بالجليد وهبوب العواصف الثلجية زيادة على انه موحش فقلما تلتقي بسيارة واحدة كل ساعة او ساعتين
ولكن كم بقيت لي ذكريات من هذه الطريق ، فشتاءا اسافر ليلا فالنهار لا يطول اكثر من سويعات قليلة ومرات اقل من ساعة
وكنت استغرق ١٥ ساعة في الطريق أتوقف فيها احيانا لأنظر الى السماء وأتذكر طفولتي فالنجوم تتلألأ بروعة الفرق فقط ان درجة الحرارة اقل من عشرين تحت الصفر . ونجمة الشمال التي يجب ان تدل على جهته هنا هي في قلب السماء ولكن وما العجب وكأنها تقول عن اي شمال تبحث وانت فيه؟
رأيت عدة مرات ظاهرة الشفق القطبي رغم ان كثيرا من سكان المنطقة اعترفوا لي انهم لم يروه قط
كيف أصفه؟ فعلا شيء عظيم وكأن اعلاما خضرا عظيمة ترفرف عرض السماء وأحيانا تكون لها ألوان مختلفة تخلب البصر
وصيفا تلك الجبال والتلال والغابات والأنهار والبحيرات والشلالات التي تعد بالالاف ، غزلان الرنة والوعول القطبية والثعالب وغيرها من الحيوانات والطيور التي تخرج احيانا الى الطريق فنتفرج عليها وتتفرج علينا
تجولنا في الغابات لجمع الفطر وثمار الغابات ذات الألوان والطعم المختلف، وتهرب من الدببة اذا سمعت باقترابها منك
وكأنك تعيش قصة خيالية من تلك القصص التي كانت تحكى لنا في الطفولة حيث البيت الخشبي في الغابة
رغم قساوة الغربة والبعد عن الأقرباء ولكني اشكر الله تعالى ان وهبني فرصة السياحة في ارضه والتمتع بخلقه الذي لا يضاهى
ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك
خاطرة كتبتها في ١٩ فبراير ٢٠١٥ في الطائرة مسافرا من موسكو الى مورمانسك

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق